قال مات مولينويغ ذات مرة: “التكنولوجيا في أفضل حالاتها عندما تجمع الناس معاً”. وفي منظومة الأعمال شديدة الترابط في البحرين، يحمل هذا الوعد استثناءً غريباً: لقد بنينا المسرح، لكن الكثير من مؤسساتنا لا تزال تقف في الكواليس.
البحرين ليست مجرد دولة متصلة رقمياً، بل هي في مصاف الدول الرائدة عالمياً. فقد احتلت المملكة المرتبة السادسة عالمياً من بين 159 دولة في مؤشر تطور تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لعام 2026 الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات، متقدمةً ثلاث مراتب عن العام السابق، بمجموع نقاط بلغ 98%، وبعلامات كاملة في مؤشرات انتشار استخدام الإنترنت، والاتصال المنزلي، وتغطية شبكات النطاق العريض المتنقلة، وامتلاك الهواتف المحمولة. كما كانت من أوائل دول العالم في إطلاق شبكات الجيل الخامس على مستوى الدولة، وتغطي شبكة الألياف الضوئية أكثر من 95% من المملكة، فيما تعمل نحو 85% من بيانات الحكومة بالفعل على منصة AWS، التي افتتحت أول منطقة لها في الشرق الأوسط في البحرين عام 2019.
لم تعد الأساسيات التقنية — التي كانت يوماً العائق الرئيسي أمام التقدم — تشكّل عائقاً على الإطلاق. ومع ذلك، لا تزال فجوة عميقة في التبنّي قائمة. فقد كشف تحليل أجرته شركة ماكنزي عام 2025 لبرامج التحول الرقمي في الشرق الأوسط أن أقل من ثلث المبادرات حققت النتائج التشغيلية أو المالية التي وُضعت من أجلها. وعلى الصعيد المحلي، كشفت أبحاث قُدّمت في برنامج تنفيذي مخصص للبحرين هذا العام عن أمر أكثر لفتاً للنظر: فرغم أن معدل تبنّي الذكاء الاصطناعي يقترب من 90%، فإن 5 إلى 6% فقط من المؤسسات تحقق عوائد ملموسة على مستوى المؤسسة ككل.
هذه ليست مشكلة في الألياف الضوئية أو البنية السحابية، بل هي فجوة بين القدرة التقنية وممارسة الأعمال الفعلية. فالبنية التحتية عالمية المستوى، لكن “البرمجيات التشغيلية” للمؤسسة — أي العقلية، وسير العمل، والتسلسل الاستراتيجي — لا تزال تعمل بافتراضات تقليدية.
والرغبة موجودة أيضاً. فقد أظهر استطلاع أجرته ماستركارد عام 2026 أن 96% من الشركات الصغيرة والمتوسطة في البحرين تؤمن بأن المدفوعات الرقمية أساسية للنمو، وتؤكد الأرقام ذلك: 81% تقبل المدفوعات عبر الهاتف المحمول، و63% تقبل المدفوعات عبر الإنترنت. هذا ليس سوقاً غير راغب في التحرك، بل سوق تبنّى الطبقة السهلة من التحول وتوقف قبل الوصول إلى الطبقة الأصعب والأكثر قيمة.
وهم النفقات الرأسمالية
نقطة الاحتكاك الأساسية هي التصور الذهني. لا يزال كثير من صناع القرار ينظرون إلى “التحول الرقمي” من منظور تقليدي: مشروع ضخم يمتد لسنوات ويتطلب استثماراً رأسمالياً هائلاً مسبقاً. وهذا النموذج الذهني هو العائق الأكبر أمام النمو في المنطقة حالياً.
لكن الواقع مختلف. نادراً ما يكون التحول حدثاً واحداً ضخماً، بل هو سلسلة من الانتصارات التدريجية. يمكن إطلاق مشروع تجريبي يستهدف نقطة ألم حقيقية واحدة — سير عمل مهمَل، أو رحلة عميل مجزأة — باستثمار محدود، وتحقيق نتائج ملموسة خلال أشهر قليلة. وعند تحويل الإطار من “تحول شامل” إلى “تحسين تدريجي”، ينخفض حاجز الدخول، وتقل المخاطر، وتنفتح الأبواب أمام فرق عمل ما كانت لتوافق يوماً على مشروع كبير دفعة واحدة.
أين تكمن القيمة الحقيقية؟
بيانات البحرين المذكورة أعلاه تحمل وجهين. فتبنّي شبه شامل للذكاء الاصطناعي مع غياب شبه تام لتحقيق قيمة على مستوى المؤسسة ليس حجة ضد الاستثمار الرقمي، بل دليل على أن كيفية تسلسل التحول وحوكمته أهم من مجرد توفر الأدوات. الفجوة بين الشركات التي توقفت عند “تبنّينا الأداة” وتلك التي تراكم القيمة الفعلية منها هي فجوة قيادية، لا فجوة تقنية.
وهذا التحول في الإطار يغيّر معادلة الأرباح والخسائر. فعندما تتوقف المبادرات الرقمية عن كونها مجرد “مشروع تقني” وتُعامل كـ”استراتيجية بقاء للأعمال”، تتغيّر معها المقاييس التي تهم فعلياً — وعدم الكفاءة المسموح باستمرارها اليوم هو، حرفياً، هامش الربح الذي تختار الشركة التخلي عنه.
الضرورة الاستراتيجية
البنية التحتية جاهزة. الحوسبة السحابية متاحة. وقد أثبتت الشركات الصغيرة والمتوسطة بالفعل أنها ستتحرك عندما تكون الجدوى واضحة. والمشهد التنافسي يتغيّر من حولنا بصرف النظر عمن يتحرك أولاً. وبالنسبة للشركات التي لا تزال عالقة في الحلقة التقليدية، فإن الطريق إلى الأمام لا يكمن في المزيد من الخوادم أو اتصالات أسرع، بل في الانضباط اللازم للتجريب، والتحسين المستمر، وأخيراً مواءمة الممارسة التشغيلية مع الإمكانات الرقمية التي تم دفع ثمنها بالفعل.
لقد أدت البنية التحتية دورها. والسؤال الآن: هل أديت أنت دورك؟
المصادر: مؤشر تطور تكنولوجيا المعلومات والاتصالات للاتحاد الدولي للاتصالات 2026؛ مرصد Digital Watch (الملف القُطري للبحرين)؛ تحليل ماكنزي للتحول الرقمي في الشرق الأوسط (2025)؛ برنامج Agentic Work Transformation – Bahrain 2026 (ADG/Google Cloud) نقلاً عن أبحاث ماكنزي وBCG؛ مؤشر ثقة الشركات الصغيرة والمتوسطة لماستركارد (2026)؛ مات مولينويغ.




